
بأربع فاقت الأمصار قرطبة .. منهن قنطرة الوادي وجامعها
هاتان ثنتان والزهراء ثالثة .. والعلم أعظم شيء وهو رابعها[1]
تقع القنطرة الاندلسية القديمة تجاه المسجد الجامع من الناحية الجنوبية، وهي قنطرة رومانية الأصل، جددها المسلمون أيام السمح بن مالك أمير الأندلس، وجددت بعد ذلك غير مرة. وهي قائمة على ستة عشر عقداً، وما زالت القنطرة تحتفظ بكثير من معالمها الاندلسية.[2]
من أهم أعمال المسلمين في قرطبة بعد فتحها هو ترميم قنطرة قرطبة، وتم ذلك في ولاية السمح بن مالك الخولاني.
وكان المسلمون عندما افتتحوا قرطبة ألفوا القنطرة قد تهدمت بفعل مدود النهر على مر الازمان حتى سقطت حناياها، ومحيت أعاليها وبقيت أرجلها وأسافلها، وفي نفس الوقت كان السور الغربي من قرطبة قد تهدم في أجزاء منه، وأصبحت المدينة مفتوحة من هذه الناحية. فكتب السمح الى الخليفة عمر بن عبد العزيز يستشيره في هذا الامر، ويخبره بأن النهر لا يمكن خوضه في فصل الشتاء، وأن هناك أحد أمرين: اما ترميم القنطرة من أحجار السور الغربي المتهدم ، وبناء القطاع المهدم من السور باللبن بعد ذلك ، أو بنيان السور المتثلم من جهة الغرب ، فتتحصن حاضرة الاندلس ويصبح في الامكان حماية قرطبة من أي غزو. فكتب اليه عمر بن عبد العزيز يأمره ببنيان القنطرة من حجارة السور وبناء السور باللبن، وتم الأمر على هذا الاساس في سنة ١٠١هـ .[3]
ويذكر المقري نهر الوادي الكبير والقنطرة في كتابه نفح الطيب:
قال ابن سعيد: وأما نهر قرطبة فإنّه يصغر عن عظمه عند إشبيلية، بحيث صنع عليه قنطرة من حجارة لا يتأتى مثلها في نهر إشبيلية، ومنبعه من جهة شقورة، يمر النصف منه إلى مرسية مشرقاً والنصف إلى قرطبة وإشبيلية مغرباً.
ولما ذكر الرازي قرطبة قال: ” ونهرها الساكن في جريه، اللين في انصبابه، الذي تؤمن مغبة ضرره في حمله “. وقال هذا لأنّه يعظم عند إشبيلية، فإذا حان حمله في أيام الأمطار أشفت إشبيلية على الغرق، وتوقّع أهلها الهلاك.
والقنطرة التي على هذا النهر عند قرطبة من أعظم آثار الأندلس وأعجبها، أقواسها سبع عشرة قوساً، وبانيها – على ما ذكره ابن حيّان وغيره – السّمح ابن مالك الخولاني صاحب الأندلس بأمر عمر بن عبد العزيز، رضي الله عنه، وشيّدها بنو أميّة بعد ذلك وحسّنوها، قال ابن حيّان: وقيل: إنّه قد كانت في هذا المكان قنطرة من بنيان الأعاجم قبل دخول العرب بنحو مائتي سنة أثّرت فيها الأزمان بمكابدة المدود حتى سقطت حناياها، ومحيت أعاليها، وبقيت أرجلها وأسافلها، وعليها بنى السمح في سنة إحدى ومائة، انتهى.
وقال في مناهج الفكر: إن قنطرة قرطبة إحدى أعاجيب الدنيا، بنيت زمن عمر بن عبد العزيز على يد عبد الرحمن بن عبيد الله الغافقي، وطولها ثمانمائة ذراع وعرضها عشرون باعاً، وارتفاعها ستون ذراعاً، وعدد حناياها ثماني عشرة حنية، وعدد أبراجها تسعة عشر برجاً، انتهى.[4]
أما د. حسين مؤنس في كتابه رحلة الأندلس فقد ذكر القنطرة في كتابه قائلاً:
وبين قرطبة وضاحيتها تلك لا تزال تقوم القنطرة العربية المشهورة كانت تسمى قنطرة الوادى . أصلها روماني ، وقد أصلحها وجددها العرب مراراً .. كانت على أيامهم منتزها يخرج إليه الناس بعد الظهر ، كما يخرج أهل القاهرة إلى كوبرى قصر النيل .
هنا كان ملتقى الأدباء والشعراء . إلى يمين القنطرة وشمالها ، على شاطى الوادى الكبير ، كان يقوم كورنيش جميل كان يسمى الرصيف ، وامتداده من ناحية اليمين كان يسمى شُبُلار ، ومن اليسار المصارة .. وهذ الكورنيش يحمل اليوم أسماء حديثة : ياسيو دى لا ريبيرا (أي منتزه الشاطئ )، روندا دي إيزلاس .
ما أكثر الشعر الذي قاله الأندلسيون فى قنطرة الوادي ، وما أكثر أقاصيص الهوى التي يقصونها !
لعل ألطفها قصة الشاعر يوسف بن هارون الرمادي مع جارية فاتنة من جوارى القصر ، رآها تسير وحدها عند باب العطارين ( وهذا الموضع كان مجتمع النساء ) فهام بها للنظرة الأولى ، ومضى يتبعها ، وعبر القنطرة وراءها . حتى إذا صارت في موضع خال من الناس خافت أن يكون شريراً يريد أذاها ، فالتفتت إليه وخاطبته ، وعرفت أنه صب مستهام بها ، فرجته أن يدعها وشأنها ، ورفضت أن تقول له ممن هى وأين تعيش . كل ما قالته له أن اسمها “خلوة” ، وأنها ستلقاه في نفس الموعد والمكان كل جمعة . ثم اختفت فلم يعد يراها. وعاش بعد ذلك يحلم بها ويقول فيها الأشعار ..[5]
إذا كنت ستزور قرطبة، فلا تنسى زيارة هذه القنطرة العظيمة، هذا موقع القنطرة :
https://maps.app.goo.gl/8UeWf13Kz6JFahfQ6
المراجع
- الاثار الاندلسية الباقية في اسبانيا والبرتغال – محمد عبدالله عنان ص ٣١
- قرطبة حاضرة الخلافة في الاندلس الدكتور السيد عبدالعزيز سالم ص٣٣
- نفح الطيب من غصن الأندلس الرطيب – الشيخ أحمد بن المقري التلمساني تحقيق د. إحسان عباس ص ٤٨٠
- رحلة الأندلس حديث الفردوس الموعود – د. حسين مؤنس
[1] لابن عطية: العلامة الحافظ المفسر أبو محمد عبد الحق ابن عطية ( ٤٨١ هـ – ٢٥ رمضان ٥٤٦ هـ = ١٠٨٨ م – ١١٥١م)
[2] الآثار الأندلسية الباقية في اسبانيا والبرتغال – محمد عبدالله عنان
[3] قرطبة حاضرة الخلافة في الأندلس – الدكتور اليد عبدالعزيز سالم
[4] نفح الطيب من غصن الأندلس الرطيب – المقري
[5] رحلة الأندلس حديث الفردوس الموعود – د. حسين مؤنس
معلومات مفيده ومجهود يشكر بارك الله فيك ونفع بك
LikeLike