اشبيلية

منارة جامع اشبيلية

كانت إشبيلية أيام الدولة الإسلامية ، أعظم مدن الأندلس وأجملها، وكانت أعظم وأجمل من قرطبة ذاتها. وقد سطعت أيام بني عباد، إذ كانت دار الملك، وغدت أيام الموحدين مركز الحكم مرة أخرى، ولكنها لقيت مصرعها كقاعدة إسلامية أيام الموحدين أيضاً، وسقطت في أيدى القشتاليين في ٢٧ رمضان سنة ٦٤٦ هـ ( ٢٣ نوفمبر سنة ١٢٤٨ م )، أي بعد سقوط قرطبة باثني عشر عاماً، وغدت من ذلك الحين حتى أوائل القرن السادس عشر، دار الملك في قشتالة. وما تزال إشبيلية حتى اليوم أجمل مدن الأندلس، وأوفرها سحراً، بل هي في الواقع من أجمل المدن الإسبانية، وقد أسبغت عليها عناية الدول والعصور المتعاقبة، طابعاً من الروعة والجلال، يمثل في صروحها ومعاهدها الفخمة، و آثارها التاريخية الكثيرة .

وقد سميت إشبيلية اشتقاقاً من اسمها اللاتيني إشبالي أو هسبالي وهي تسمى أيضاً في الأدب الأندلسي “حمص”، وذلك لأنه قد نزلها عند الفتح جند حمص الشام، وأطلقوا عليها هذا الاسم، لما لمسوه من شبه بين المدينتين في الموقع والخطط والتربة، وإليها يشير أبو البقاء الرندي في مرثيته حين يقول :

وأين حمص وما تحويه من نزه .. ونهرها العذب فياض وملآن

من أهم الآثار الأندلسية الباقية في اشبيلية، منارة جامع اشبيلية، التي تسمى اليوم الخيرالدا، وهي منارة أو صومعة مسجد إشبيلية الجامع، وهي بروعتها وجمالها تبدو لؤلؤة إشبيلية الأثرية، وقد بدأ بإنشائها الخليفة أبي يعقوب يوسف، ثم استؤنف بناؤها فى عهد ولده الخليفة أبى يوسف يعقوب، الملقب بالمنصور

 وقد ذكر لنا ابن صاحب الصلاة أنها بنيت بغير أدراج، يصعد إليها في طريق واسعة للدواب والناس. ويذكر أن الخليفة عنى بالبناء أشد عناية، ودام العمل في ذلك أعواماً، يجرى البناء فيها أحياناً متقطعة، فإذا غادر الخليفة إشبيلية إلى الحضرة، تعطل البناء، ثم يستؤنف متى حضر. وكان الخليفة المنصور يلازم الحلوس بنفسه على البنائين في المدد التي كان يعاود فيها البناء، واستمر ذلك إلى أن كانت موقعة الأرك الشهيرة، التي أحرز فيها الموحدون بقيادة المنصور نصرهم الباهر على القشتاليين، وذلك في سنة ٥٩٣ هـ ( ١١٩٥ م ) ، فحينما عاد المنصور إلى إشبيلية مكللا بغار النصر، وكان بناء المنارة قد تم ولم تبق سوى أعمال التجميل، أمر بتزويدها بتفافيحها الذهبية المشهورة. 

ومنارة جامع إشبيلية ، كانت قرينة لمنارتين شقيقتين فيما وراء البحر ، هما منارة جامع الكتبية أو الكتبيين بمراكش، وهي التي مازالت تزدان بها العاصمة المغربية القديمة حتى اليوم، ومنارة حسان القائمة على مقربة من شاطئ المحيط بمدينة الرباط، وكلتاهما على نفس الطراز والنمط ، في الداخل والخارج. 

وقد أمر بإنشاء المنارتين أيضاً الخليفة يعقوب المنصور وقيل في شأن منارة الكتبية إنه بدئ بإنشائها في عهد الخليفة عبد المؤمن، ولكنها لم تكمل إلا في عهد حفيده المنصور، وعلى أي حال فقد تم إنشاء الكتبية في سنة ٥٩٤ هـ ، بعد تمام منارة إشبيلية بقليل، وأقيمت منارة حسان في نفس الوقت، ولكن بناءها لم يكمل ، ووقف دون القمة العليا. وفي وسعنا بتأمل منارة الكتبية أن نتصر منظر منارة إشبيلية قبل تحويلها إلى كنيسة.

وما زالت منارة اشبيلية، بالرغم من تحولها إلى برج للأجراس، تحتفظ بكثير من روعتها الإسلامية القديمة، وهي مربعة الشكل، بالغة الارتفاع، وقد اشتهرت عصوراً بجمال هندستها، وروعة زخارفها، التي بقى الكثير منها حتى اليوم، واشتهرت بالأخص بتفافيحها الذهبية، وكانت الوسطى منها بالغة الضخامة. 

ومما يذكر أن الذي قام بصنع هذه التفافيح ، ورفعها إلى أعلى المنار، هو المعلم أبو الليث الصقلي ، وأن قيمة ما أنفق على تذهيب التفافيح ، بلغت من النقد مائة ألف دينار. 

وقد سقطت تفافيحها الذهبية الأربعة في سنة ١٣٥٥م، على أثر زلزال مروع هز أركانها بشدة، وغاصت في الأرض وأتلفت قشرتها الذهبية الزاهية. وفى سنة م١٤٠٠ حولت قبتها العليا إلى برج الأجراس

 ويبلغ ارتفاع منارة المنصور أو لاخيرالدا  كما يسميها الإسبان ستة وتسعين متراً.

وعندما تم تحويل المنارة إلى برج أجراس للكنيسة نصبوا فوق البرج تمثالاً، وله شارة تدور عند هبوب الريح، وكلمة يدور بالاسبانية هي

 Girar

 ، لذا فقد أطلقوا على المنارة اسمها الحالي لا خيرالدا 

La Giralda  

أي الدوارة

المصدر

الآثار الأندلسية الباقية في اسبانيا والبرتغال – محمد عبدالله عنان

حجز التذاكر لزيارة الخيرالدا من خلال الموقع الرسمي

https://www.catedraldesevilla.es/visita-cultural/horarios-y-tarifas

سعر التذكرة ١٢ يورو اذا تم الحجز أون لاين، أو ١٣ يورو عند شباك التذاكر

موقع الخيرالدا

https://maps.app.goo.gl/eFgvMfPF1esMQotC7

Leave a comment