الخامس من نوفمبر: من بارود لندن إلى مأساة الأندلس

حين كنت طالبة في بريطانيا، كنت أقف في يوم الخامس من نوفمبر أشاهد الألعاب النارية التي تقام سنوياً احتفالاً بفشل مؤامرة البارود، ولم يخطر لي أن الطريق إلى هذه الليلة يمرّ ببلد الوليد في اسبانيا، وبالبلاط نفسه الذي طرد آخر أهل الأندلس.

في مساء الخامس من نوفمبر من كل عام، تمتلئ سماء المدن البريطانية بالألعاب النارية، وتُوقَد النيران في الساحات والحدائق، ويخرج الناس في معاطفهم الثقيلة إلى برد الخريف ليشهدوا ما يسمّونه «ليلة النار» (Bonfire Night) أو «ليلة غاي فوكس». وقد يبدو الاحتفال لمن يراه أول مرة احتفالًا بالنار نفسها، لكنه في أصله احتفالٌ بنجاةٍ: نجاة ملكٍ وبرلمانٍ من بارودٍ لم يشتعل.

ويحفظ الأطفال في بريطانيا منذ قرون أبياتًا شعبية تفتتح بها هذه الليلة:

Remember, remember the fifth of November,
Gunpowder treason and plot.
I see no reason why gunpowder treason
Should ever be forgot.

أنشودة شعبية إنجليزية

أي: «تذكّروا، تذكّروا الخامس من نوفمبر، خيانةَ البارود ومؤامرته؛ لا أرى سببًا يجعل خيانة البارود تُنسى أبدًا».

وحين أخذت أبحث عن قصة هذا الرجل الذي يحتفل البريطانيون كل عام بفشل مؤامرته، لم أكن أتوقع أن يقودني البحث من أقبية البرلمان في لندن إلى البلاط الاسباني في بلد الوليد، وإلى الملك ذاته الذي أمر بطرد المورسكيين من أرضهم بعد عقود من تعذيبهم واكراههم على التنصر واجبارهم على التخلي عن عاداتهم وملاحقة محاكم التفتيش لهم!

من يورك إلى فلاندرز

وُلد غاي فوكس في مدينة يورك في شمال إنجلترا في أبريل 1570م، لأبٍ بروتستانتي. مات أبوه في صباه، فتزوجت أمه من رجلٍ من أسرةٍ كاثوليكية، وتعلّم في مدرسة القديس بطرس في يورك، وكان من زملائه فيها الأخوان جون وكريستوفر رايت، وسيصبحان بعد سنين من رفاقه في المؤامرة.

اعتنق فوكس الكاثوليكية شابًا، في زمنٍ كانت فيه إنجلترا الإليزابيثية تفرض الغرامات على من يتخلّف عن الكنيسة الرسمية، وتعدّ القسّ الكاثوليكي خائنًا. فباع ما ورثه من أرض، وعبر البحر إلى الأراضي المنخفضة (فلاندرز)، وكانت يومئذ تابعة لإسبانيا الكاثوليكية، ليقاتل في صفوف جيشها ضد الهولنديين البروتستانت، في الحرب الطويلة المعروفة بحرب الثمانين عامًا. وهناك صار ضابطًا صغيرًا برتبة «ألفيريث» (alférez)، وقاتل في حصار كاليه سنة 1596م، ورُشِّح للترقية إلى رتبة نقيب سنة 1603م. وفي تلك السنوات تعلّم ما سيجعله خطرًا: الهندسة العسكرية والبارود.

ويصفه «قاموس السيرة الوطنية» البريطاني بأنه رجلٌ طويل قويّ البنية، كثيف الشعر واللحية، عُرف بين رفاقه بالتديّن والمواظبة على الشعائر.

«غيدو» في بلد الوليد

منظر قديم لمدينة بلد الوليد في نقش ملوّن
منظر لمدينة بلد الوليد (Valladolid) في نقش ملوّن قديم. إلى هذه المدينة جاء فوكس سنة 1603م، وكانت يومئذ مقرّ البلاط الإسباني. من مجموعة متحف رايكس في أمستردام.

في سنة 1603م توفيت الملكة إليزابيث وخلفها جيمس السادس ملك اسكتلندا، فصار جيمس الأول ملك إنجلترا. وأُرسل فوكس مع صديق صباه كريستوفر رايت إلى إسبانيا، يطلبان من ملكها فيليب الثالث أن يدعم ثورةً كاثوليكية في إنجلترا، أو غزواً لها.

كانت وجهتهما بلد الوليد (Valladolid)، فقد نقل الوزير الأول دوق ليرما البلاط إليها من مدريد سنة 1601م، وبقي فيها إلى 1606م. وكانت المدينة تضمّ كلية سان ألبانو التي تُعِدّ القساوسة الإنجليز الكاثوليك المنفيين. وفي هذه الرحلة صار الرجل يوقّع باسمٍ جديد: «غيدو» بدل «غاي».

وقد قدّم فوكس إلى البلاط مذكرةً يهاجم فيها الملك الجديد ويحذّر من الاسكتلنديين المحيطين به، ومما نُقل عنه فيها:

“It will not be possible to reconcile these two nations, as they are, for very long.”

من مذكرة فوكس إلى البلاط الإسباني، 1603، نقلًا عن Antonia Fraser, The Gunpowder Plot (ص 89)

أي: «لن يكون ممكنًا التوفيق بين هاتين الأمّتين، على حالهما هذه، زمنًا طويلًا».

استقبل الملك فوكس، لكنه لم يعطه شيئاً. فقد كان فيليب الثالث، بتأثير ليرما، يتّجه إلى الصلح مع إنجلترا بعد عقودٍ من الحروب المكلفة، وأكّد مجلس الدولة الإسباني في أغسطس 1603م أن إسبانيا لن تتدخل. وفي السنة التالية، 1604م، وُقّعت معاهدة لندن بين البلدين. فعاد فوكس خائبًا، ليلقى في بروكسل توماس وينتور، الذي حمله إلى روبرت كيتسبي.

القبو والبراميل والرسالة

نقش لوستمنستر من نهر التايمز سنة 1647: مبنى البرلمان وقاعة وستمنستر والدير
وستمنستر من نهر التايمز، وعلى اليسار «بيت البرلمان» الذي أراد المتآمرون نسفه. نقش فاتسلاف هولار، 1647م. متحف المتروبوليتان.

كان كيتسبي قد وصل إلى هذه الخطة: إذا لم يأتِ العون من الخارج، فلْيُضرب الملك في قلب دولته، يوم افتتاح البرلمان، والملك وولي عهده واللوردات حاضرون. ثم تُنصَّب ابنته الصغيرة إليزابيث ملكةً وتُربّى كاثوليكية.

انضم فوكس إلى الجماعة سنة 1604م، وتخفّى باسم «جون جونسون»، خادمًا لأحد المتآمرين وهو توماس بيرسي. واستأجروا في مارس 1605م قبواً يقع تحت مجلس اللوردات مباشرة، وكدّسوا فيه نحو ستة وثلاثين برميلًا من البارود، وغطّوها بالحطب والفحم. وأوكلوا إلى فوكس، الجندي الخبير، حراستها وإشعالها. وتأجّل افتتاح البرلمان بسبب الطاعون حتى استقرّ موعده على الخامس من نوفمبر.

وفي مساء السادس والعشرين من أكتوبر، وصلت إلى اللورد مونتيغل، وهو نبيلٌ كاثوليكي، رسالةٌ بلا توقيع ولا تاريخ، تحذّره من حضور الافتتاح. ومما جاء فيها:

“…yet I say they shall receive a terrible blow this parliament, and yet they shall not see who hurts them… the danger is passed as soon as you have burnt the letter.”

رسالة مونتيغل، 1605، الأرشيف الوطني البريطاني (SP 14/216/2)

أي: «أقول إنهم سيتلقّون ضربةً رهيبة في هذا البرلمان، ولن يروا من يضربهم… والخطر يزول حالما تحرق هذه الرسالة».

لكن مونتيغل لم يحرقها. حملها إلى روبرت سيسل، كبير وزراء الملك، فعرضها سيسل على جيمس. وما زال كاتبها مجهولًا حتى اليوم، ويرجّح كثيرٌ من المؤرخين أنه فرانسيس تريشام، صهر مونتيغل وأحد المتآمرين.

رسالة مونتيغل المجهولة بخطها الأصلي، 1605
رسالة مونتيغل بخطها الأصلي، وهي الرسالة المجهولة التي كشفت المؤامرة في أواخر أكتوبر 1605م. الأصل في الأرشيف الوطني البريطاني.

ليلة الرابع من نوفمبر

في عصر الرابع من نوفمبر، فتّش اللورد سافولك ومعه مونتيغل أقبية البرلمان، فوجدا كومةً كبيرة من الحطب، وعندها رجلٌ طويل قال إنه جون جونسون، خادم بيرسي. ثم عاد رجال الملك قرب منتصف الليل بقيادة توماس نيفيت، فوجدوا فوكس عند الباب، معه فانوس وأعواد الإشعال، وتحت الحطب البراميل. وما يزال الفانوس الذي يُقال إنه كان معه محفوظًا في متحف أشموليان في أكسفورد.

اقتيد فوكس في الساعة الواحدة فجرًا إلى غرفة نوم الملك في قصر وايتهول، حيث اجتمع المجلس. ويروي «قاموس السيرة الوطنية» ما جرى:

“When asked by the king whether he did not regret his proposed attack on the royal family, he replied that a desperate disease required a dangerous remedy, and added that ‘one of his objects was to blow the Scots back again into Scotland.’”

Dictionary of National Biography, vol. 18 (1889), art. “Fawkes, Guy”

أي: «لما سأله الملك أما يندم على ما نواه من الهجوم على الأسرة المالكة، أجاب بأن الداء اليائس يحتاج إلى دواءٍ خطِر، وأضاف أن من أغراضه أن يعيد الاسكتلنديين بالنسف إلى اسكتلندا».

ويذكر القاموس أنه لم يُظهر خوفًا ولا اضطرابًا، ولم يقل عن نفسه أكثر من أن اسمه جونسون، وأنه لم يندم إلا على أن الانفجار لم يقع.

«غيدو» بيدٍ مرتجفة

نُقل فوكس إلى برج لندن، وكتب الملك في السادس من نوفمبر بخطّه أسئلةً يُستجوَب بها، وأذن بتعذيبه متدرّجًا:

“If he will not otherwise confess, the gentler tortures are to be first used unto him, et sic per gradus ad ima tenditur.”

رسالة جيمس الأول، 6 نوفمبر 1605

أي: «إن لم يعترف، يُبدأ معه بأخفّ أنواع التعذيب، ثم يُتدرَّج إلى ما هو أشد».

«رسالة جيمس الأول، 6 نوفمبر 1605، كما نقلها S. R. Gardiner, What Gunpowder Plot Was (1897)».

وقد يستغرب القارئ أن تنتقل الجملة في منتصفها من الإنجليزية إلى اللاتينية، لكن هذا ليس خطأً في النقل. فقد كان المتعلّمون في إنجلترا في ذلك العصر يُدخلون العبارات اللاتينية في كتابتهم، وكان جيمس الأول ملكاً عالماً يكتب باللاتينية ويؤلّف بها. وعبارة «et sic per gradus ad ima tenditur» تعني: «وهكذا يُمضى به درجةً درجة إلى الأعماق»، أي إلى أقسى ألوان التعذيب.

صمد أيامًا، ثم انكسر في التاسع من نوفمبر بعد أن علم أن رفاقه قد قُتلوا أو أُسروا في هولبيتش، فكشف أسماءهم. ويقول القاموس إن اعترافه موقّعٌ بيدٍ مرتجفة باسم «Guido Fawkes». وإذا وُضع توقيعه قبل التعذيب إلى جانب توقيعه بعده، رأيتُ في الفرق بين الخطّين ما لا تقوله السجلات.

توقيعا غاي فوكس على اعترافيه: الأول باهت مرتجف تحت التعذيب، والثاني أوضح بعد ثمانية أيام
في الأعلى توقيع «Guido» الباهت على اعترافه تحت التعذيب، وفي الأسفل توقيع «Guido Fawkes» على اعترافٍ لاحق بعد ثمانية أيام.

المحاكمة والنهاية

في السابع والعشرين من يناير 1606م حوكم فوكس مع سبعة من رفاقه في قاعة وستمنستر، وأجاب فوكس ورفاقه بقولهم أنهم غير مذنبين Pleaded not guilty، ثم حُكم عليهم بالاعدام. وفي الحادي والثلاثين من يناير اقتيد مع ثلاثة منهم إلى ساحة القصر القديم في وستمنستر، قبالة البرلمان الذي أراد نسفه. كان آخرهم صعوداً، ضعيفاً من التعذيب، فأُعين على صعود السُّلّم، وتكلّم قليلًا، وطلب العفو من الملك والدولة.

كيف صارت ليلةَ نار؟

في مساء الخامس من نوفمبر 1605 م نفسه، أوقد أهل لندن النيران ابتهاجًا بنجاة الملك. ثم أصدر البرلمان في يناير 1606م قانونًا يجعل هذا اليوم يوم شكرٍ سنويًا، وبقي معمولًا به حتى أُلغي سنة 1859م. ومع الزمن صارت الليلة عادةً شعبية أكثر منها مناسبةً رسمية: يصنع الأطفال دميةً محشوّة يسمّونها «قاي» ويطوفون بها يجمعون المال (“a penny for the Guy”)، يستخدم هذا المال لشراء الألعاب النارية والحلوى لهذه الليلة، ثم تُوضع هذه الدمية في أعلى كومة الحطب وتُحرق، وتضيء الألعاب النارية السماء. ومن اسم هذه الدمية جاءت كلمة «guy» في الإنجليزية. فقد أُطلقت أولًا على الدمية نفسها، ثم على كل من يلبس ثياباً رثة أو غريبة، ثم صارت في القرن التاسع عشر تعني «الرجل» عموماً.

البلاط نفسه، والقرار الآخر

الملك الذي ردّ فوكس خائبًا هو فيليب الثالث نفسه الذي أصدر بعد ست سنوات، في 9 أبريل 1609م، قرار طرد الموريسكيين، آخر أحفاد أهل الأندلس الذين أُكرهوا على التنصّر. وبين 1609 م و1614م طُرِد من الجزيرة نحو ثلاثمئة ألف أندلسي لا تهمة لهم سوى أنهم مسلمين.

وكان المقّري التلمساني معاصرًا لهذا كله، يكتب «نفح الطيب» والمطرودون يصلون إلى المغرب. يقول بعد أن وصف ما لقيه الموريسكيون من التضييق والإحراق:

«إلى أن كان إخراج النصارى إياهم بهذا العصر القريب أعوام سبعة عشر وألف، فخرجت ألوف بفاس، وألوف أخر بتلمسان من وهران، وجمهورهم خرج بتونس، فتسلط عليهم الأعراب ومن لا يخشى الله تعالى في الطرقات، ونهبوا أموالهم، وهذا ببلاد تلمسان وفاس، ونجا القليل من هذه المعرة، وأما الذين خرجوا بنواحي تونس فسلم أكثرهم، وهم لهذا العهد عمروا قراها الخالية وبلادها».

المقري، نفح الطيب، تحقيق إحسان عباس، ج 4، ص 528

وللأندلس “ليلة نار” أيضاً

لقد كان في الأندلس احتفالية متعلقة بالنار أيضاً. فقد عرف أهلها، يومًا يسمّونه «العنصرة» أو «المهرجان»، وقد كان احتفالاً من احتفالات النصارى في الأندلس، ويسمى عيد يوحنا وما زالت إسبانيا توقد فيه النيران إلى اليوم (San Juan). يعرّفه ابن خلكان فيقول:

«يوم العنصرة يوم مشهور ببلاد الأندلس، وهو موسم للنصارى، كالميلاد وغيره، وهو اليوم الرابع والعشرون من حزيران، فيه ولد يحيى بن زكريا».

ابن خلكان، وفيات الأعيان، ج 7، ص 227

وكان العيد قد صار من عادات الناس عامةً، حتى عدّه الفقيه الأندلسي أبو بكر الطرطوشي في «الحوادث والبدع» مع ما أنكره من عادات أهل بلاده، فذكر من البدع:

«اجتماع الناس بأرض الأندلس على ابتياع الحلوى ليلة سبع وعشرين من رمضان. وكذلك على إقامة (ينير) بابتياع الفواكه؛ كالعجم، وإقامة العنصرة، وخميس إبريل؛ بشراء المجبنات والإسفنج، وهي من الأطعمة المبتدعة، وخروج الرجال جميعا أو أشتاتا مع النساء مختلطين للتفرج».

الطرطوشي، الحوادث والبدع، ص 150–151

وأقف هنا عند مفارقة. فهذه الأعياد التي يذكرها ابن خلكان والطرطوشي أعيادُ النصارى، وكانوا يقيمونها علانيةً في بلاد يحكمها المسلمون، حتى صار المسلمون أنفسهم يشاركونهم فيها. والطرطوشي لم يُنكر على النصارى أعيادهم، وإنما أنكر على المسلمين أن يشاركوا فيها. فقد كان النصارى في الأندلس على دينهم، ولهم كنائسهم ويحتفلون بأعيادهم علانية بدون مضايقات.

فلما سقطت غرناطة انقلب الحال. كانت شروط التسليم سنة 1491م تضمن للمسلمين دينهم ومساجدهم، فلم تمضِ سنوات حتى نُقضت. يروي المقري ذلك فيقول:

«ثم إن النصارى نكثوا العهد، ونقضوا الشروط عروة عروة، إلى أن آل الحال لحملهم المسلمين على التنصر سنة أربع وتسعمائة … وبالجملة فإنهم تنصروا عن آخرهم وبادية وحاضرة، وامتنع قوم من التنصر، واعتزلوا الناس، فلم ينفعهم ذلك … ثم بعد هذا كله كان من أظهر التنصر من المسلمين يعبد الله في خفية ويصلي، فشدد عليهم النصارى في البحث، حتى إنهم أحرقوا منهم كثيراً بسبب ذلك».

المقري، نفح الطيب، تحقيق إحسان عباس، ج 4، ص 527–528

فالقوم الذين تركوا لجيرانهم النصارى أعيادهم في العلن، صار أحفادهم يصلّون في السرّ، ويخشون أن يُكشف أمرهم. ومن كُشف أمره منهم سيق إلى محاكم التفتيش، فعُذّب، وأُحرق كثير منهم كما يقول المقري. وهؤلاء أنفسهم هم الموريسكيون الذين طردهم فيليب الثالث بعد ذلك بقرن.

وتذكّرني هذه المفارقة بأبيات قالها شاعر بغدادي هو الحيص بيص (ت 574هـ):

مَلَكْنا فكان العَفْوُ منَّا سَجيَّةً … فلمَّا ملكْتُمْ سالَ بالدَّمِ أبْطَحُ
وحَلَّلْتُمُ قتلَ الأسارى وطالَما … غَدَوْنا عن الأسْرى نَعِفُّ ونصفَحُ
فحسْبُكُمُ هذا التَّفاوتُ بيْنَنا … وكلُّ إِناءٍ بالذي فيه ينضحُ

ابن خلكان، وفيات الأعيان، ج 2، ص 365؛ ياقوت الحموي، معجم الأدباء، ج 3، ص 1355

وتذكر الدراسات الحديثة أن صبيان كل حيّ كانوا يجتمعون في هذا العيد حول نارهم ويتبارون في القفز فوقها، مستشهدةً بأمثال العامة التي جمعها الزجالي.

وفي المهرجان قال الوزير حسان بن مالك بن أبي عبدة، فيما رواه المقري:

أرى المهرجان قد استبشرا … غداة بكى المزن واستعبرا
وسربلت الأرض أمواهها … وجللت السندس الأخضرا
وهزّ الرياح صنابيرها … فضوّعت المسك والعنبرا
تهادى به الناس ألطافه … وسامى المقلّ به المكثرا

المقري، نفح الطيب، تحقيق إحسان عباس، ج 3، ص 547

والبيت الأخير كأنه يصف ما رأيته في بريطانيا في الخامس من نوفمبر: يومٌ يتهادى فيه الناس، ويقف فيه الفقير بجانب الغني في الساحة نفسها. والفرق بين العيدين كبير، فالعنصرة في أول الصيف والخامس من نوفمبر في قلب الخريف، وأصل الأولى موسمي ديني وأصل الثاني سياسي. لكن الناس في الحالين اجتمعوا حول نار.

تجربتي

شهدتُ هذه الليلة للمرة الأولى حين كنتُ طالبةً في سنتي الجامعية الأولى بجامعة لفبره (Loughborough). وكانت زميلاتي البريطانيات قد أصررن على أن أرافقهن إلى الاحتفال، وأخبرنني بإيجاز عن قصة قاي فوكس ومؤامرة البارود، فذهبتُ معهن لأشهد احتفالاً لم أكن أعرف من تاريخه إلا ما سمعته منهن يومها.

كانت الجامعة تقيم احتفالاً كبيراً داخل أسوارها، لا يقتصر حضوره على الطلاب، بل يحضره أهالي المدينة أيضاً؛ فتجتمع العائلات والطلبة في أمسيةٍ من الألعاب النارية والأضواء. وعلى أطراف ساحة العرض اصطفّت عربات الطعام، تتصاعد منها روائح المأكولات الساخنة وتمتزج بهواء نوفمبر البارد، بينما يتوافد الناس في معاطفهم الشتوية وأوشحتهم، وتتعالى أحاديثهم وضحكاتهم في انتظار بدء العرض.

وكان لنا، أنا وزميلاتي، طقسٌ اعتدنا عليه في هذه الليلة؛ نبدأ بشراء أكواب الشوكولاتة الساخنة، ثم نتوجّه إلى ساحة العرض الذي يبدأ كل عام في موعده المحدّد. وكنّا نقف بين الحشود، نستدفئ بأكوابنا وننتظر انطلاق الألعاب النارية، حتى إذا حان الموعد ارتفعت الأنظار إلى السماء. وما زلت أذكر برودة الهواء على وجهي، ودفء الكوب بين يديّ، وتلك الألوان التي كانت تتفتح في السماء ثم تتلاشى، تاركةً وراءها خيوطاً من الدخان. ولم تكن تلك الليلة بالنسبة إليّ مجرد احتفالٍ بالألعاب النارية، بل استراحة من أيام الدراسة الطويلة، نترك فيها الكتب والمحاضرات وراءنا، ونستمتع بصحبة الصديقات وبأمسيةٍ لا تشبه سائر أمسيات الأسبوع.

غير أن القصة التي سمعتها من زميلاتي لم تفارق ذهني بانتهاء الاحتفال، بل أثارت فضولي لمعرفة المزيد عن الرجل الذي تحتفل بريطانيا كل عام بفشل مؤامرته. فما كان مني إلا أن قصدتُ في اليوم التالي مكتبة ووترستون (Waterstones) في لفبره، واشتريتُ كتابًا بعنوان Remember, Remember (The Fifth of November) للكاتبة جودي باركنسون (Judy Parkinson)، وهو كتابٌ في التاريخ البريطاني وجدته ممتعًا، سهل الأسلوب، مشوّقًا في سرده. وهكذا لم تنتهِ تجربتي الأولى مع هذه الليلة بانطفاء الألعاب النارية، بل امتدّت إلى صفحات كتاب.

ثم انتقلتُ إلى جامعة سوانزي (Swansea) في ويلز، وشهدتُ الاحتفال مرةً أخرى في هذه المدينة الساحلية، التي اعتادت أن تجمع أهلها حول عروض الألعاب النارية في ليالي نوفمبر الباردة. وكانت تجربةً جميلةً أخرى أضافت إلى ذكرياتي عن هذه المناسبة.

غير أن أجمل ما شهدتُه من احتفالات كان في مدينة يورك (York)، ولعلّ ما يضفي على هذه المدينة خصوصيتها أنها مسقط رأس قاي فوكس نفسه، الذي وُلد فيها سنة 1570م، وتلقّى تعليمه في مدرسة القديس بطرس. ومن الطريف أن هذه المدرسة، التي لا تزال تحتفل بليلة الخامس من نوفمبر، تمتنع عن إحراق دمية فوكس احتراماً لكونه أحد طلابها السابقين!

وهكذا شهدتُ الليلة نفسها في ثلاث مدن بريطانية، لكلٍّ منها طابعها وذكرياتها. ولم يخطر لي يومئذٍ أنني سأعود بعد سنواتٍ إلى البحث في قصة هذا الرجل، وأن تقودني تلك الليالي المضيئة بالألعاب النارية إلى فصلٍ بعيد من تاريخ الأندلس وأهلها.

«أعندكم نبأ من أهل أندلسٍ؟»

وكلما تذكّرت ما انتهى إليه أهل الأندلس، عادت إليّ أبيات أبي البقاء الرندي في رثائها:

لِكُلِّ شَيْءٍ إِذَا مَا تَمَّ نُقْصَانُ .. فَلَا يُغَرَّ بِطِيبِ العَيْشِ إنْسَانُ
هِيَ الأمُورُ كَمَا شَاهَدْتُهَا دُوَلٌ .. مَنْ سَرَّهُ زَمَنٌ سَاءتْهُ أزْمَانُ
وهذهِ الدارُ لا تُبْقي على أحدٍ .. ولا يدومُ على حالٍ لها شانُ

…

دَهَى الجزيرةَ أمْرٌ لا عزاءَ لهُ .. هوى لهُ أُحدٌ وانهدَّ ثَهلانُ
أصابَها العينُ في الإسلامِ فارتزأتْ .. حتّى خلتْ منهُ أقطارٌ وبلدانُ


…

تبكي الحنيفيةُ البيضاءُ مِن أسفٍ .. كما بكى لفراقِ الإلفِ هَيمانُ
عَلى دِيارٍ مِنَ الإِسلامِ خالِيَةٍ .. قَد أَقفَرَتْ وَلَها بالكُفرِ عُمرانُ

حيثُ المساجدُ قدْ صارتْ كنائسُ ما .. فيهنَّ إلّا نواقيسٌ وصُلبانُ
حتى المحاريبُ تبكي وَهْيَ جامدةٌ .. حتى المنابرُ تَرثي وهْيَ عِيدانُ
يا غافلاً ولهُ في الدهرِ موعظةٌ .. إنْ كنتَ في سِنَةٍ فالدهرُ يقظانُ


…
أعندكم نبأ من أهل أندلس؟! … فقد سرى بحديث القوم ركبان!

المقري، نفح الطيب، تحقيق إحسان عباس، ج 4، ص 487–488

قالها الرندي قبل الطرد الأخير بأكثر من ثلاثة قرون، حين سقطت قرطبة وإشبيلية وبلنسية. ثم جاءت سنة 1609م فصدّقت كل بيت فيها.

المصادر العربية

  • المقري التلمساني، نفح الطيب من غصن الأندلس الرطيب، تحقيق إحسان عباس: ج 3، ص 547؛ ج 4، ص 487–488، 527–528.
  • ابن خلكان، وفيات الأعيان: ج 2، ص 364–365؛ ج 7، ص 227.
  • ياقوت الحموي، معجم الأدباء (إرشاد الأريب إلى معرفة الأديب): ج 3، ص 1355.
  • أبو بكر الطرطوشي، الحوادث والبدع: ص 150–151.
  • سالم بن عبد الله الخلف، نظم حكم الأمويين ورسومهم في الأندلس: ج 1، ص 296.

المصادر الأجنبية


Posted

in

, ,

by

Tags:

Comments

اترك تعليقاً