طليطلة

مسجد باب المردوم

أثناء جولتك في مدينة طليطلة، وبينما أنت تسير في دروبها الضيقة، ستجد مبنى صغير عمره يتجاوز الألف عام، ما زال يحتفظ بالكثير من سماته الأندلسية وملامحه الإسلامية، مما سيجعلك تدرك من النظرة الأولى أن هذا المبنى العتيق قد كان مسجد يصطف فيه المسلمين خلف امامهم للصلاة.

هذا المسجد هو مسجد باب المردوم، سمي بذلك نسبة إلى باب مجاور له ما زال قائماً ويعرف باسم باب المردوم.

على الرغم من صغر مساحة هذا المسجد إلا أنه يعتبر أهم مسجد في الأندلس بعد جامع قرطبة لاحتفاظه بقباب تسعة، قائمة على الضلوع المتقاطعة، تمثل أولى مراحل التطور التي مرت بها قباب جامع قرطبة.

والمسجد مربع الشكل لا يتجاوز طول الجانب منه ثمانية أمتار، وقد شيدت جدرانه من الحجر الجرانيتي والآجر وفقاً للأسلوب الذي اختصت به طليطلة، وقد حول هذا المسجد إلى كنيسة بعد سقوط طليطلة بفترة يسيرة، وأضيفت إليه في الجانب الشرقي حنية مدجنة، وأطلق عليه اسم سانتا كروث ، ووهبه ألفونسو الثامن لإحدى الجمعيات الدينية.

ويعلو واجهة الجامع نقش تاريخي نصه: (بسم الله الرحمن الرحيم أقام هذا المسجد أحمد بن حديدي من ماله ابتغاء ثواب الله، فتم ذلك بعون الله على يدي موسى بن علي البناء وسعادة. فتم في المحرم سنة تسعين وثلاث مئة.)

وأحمد بن حديدي كان قاضي طليطلة في ذلك الوقت، وهو من أسرة معروفة في هذه المدينة، وتولى الوزارة أيام إسماعيل بن ذي النون ملك طليطلة وقد انتهى أمر ابن حديدي بالقتل على يدي القادر بالله يحيى بن ذي النون بطليطلة. 

مقتل ابن الحديدي :

كان أحمد بن حديدي وزير عالم حكيم له دور بارز وهام في ظل ملك المأمون ابن ذي النون. لقد اعتبره المأمون دائماً أهم ركائز حكمه وذلك لما عرف به من كفاءة وخبرة وحزم وإخلاص.

ولذا رأيناه قبل وفاته ولضمان ديمومة ملك عائلته ينصح حفيده وولي عهده بأن يثق بوزيره دوماً وأن يلتزم بنصائحه وإرشاداته. وكانت أولى أخطاء يحيى القادر في الحكم الإصغاء لدسائس ووشايات مقدمي ووجهاء المملكة، وكان هؤلاء يعادون الوزير ويحقدون عليه وقد حاولوا أكثر من مرة أيام المأمون دون نجاح إزاحته عن منصبه. ونتيجة لما كان يعرفه هؤلاء عن ضعف القادر فإنهم على أيامه ما عادوا يسعون فقط لإزاحته وإنما صاروا يطالبون برأسه. وقد استغلوا وجود الوزير ابن الحديدي في قرطبة، مشغولاً بتجهيز المأمون بعد موته ونقله إلى عاصمته، فتحلقوا حول القادر يؤلبونه على وزير جده. وما وجدوا أية صعوبة في إقناعه بإصدار أمره بقتل الوزير الأمين المخلص. وقد أقنعوه بأنه لن يتمكن من أن يحكم مملكته باعتباره سيدها وصاحبها الوحيد المطلق ما دام ابن الحديدي على قيد الحياة لأنه سيراقب أعماله دوماً وسيجعله عملياً تحت وصايته. 

ولما كان القادر ضعيفاً وعديم الكفاءة والمقدرة فإنه ما استطاع أن يقاوم هذه النصائح وانساق مع أهواء أصحابها. ولقتل ابن الحديدي أمر قائد الفرقة العسكرية التي ندبت لاستقبال جثمان المأمون بأن يتذرع بأي سبب كان أو أية حجة مهما كانت تافهة فيقتل بها ابن الحديدي ويعلن بعد ذلك أنه قتل بسبب حادث طارئ.

وقد وصلت إلى ابن الحديدي، بواسطة أحد أصدقائه المخلصين له، أخبار المؤامرة المعدة للتخلص منه قبل وصوله إلى مشارف طليطلة. لذا انفصل عن موكب الجنازة مع حاشيته واتجه إلى مزرعة له في الريف ليلجأ إليها. إلا أنه سريعاً ما مل العزلة وحياة الريف فأخذ سراً طريق العودة إلى طليطلة ودخلها ليلاً بغفلة عن الحراس والمراقبين، وإثر تدخل أحد أصدقائه ومحبيه ويدعى ابن المشاط لدى يحيى القادر استحصل له على رضى الملك ووعده بضمان سلامته. 

وقد وثق ابن الحديدي بهذه العهود وترك مخبأه في العاصمة ودخل البلاط لمقابلة سيده. والواقع إن الملك كان في أعماقه مصمماً على التخلص من وزير جده مهما كانت النتائج. ولما كان يخشى نفوذه وشعبيته بين الناس فقد استقدم عدداً من أعداء الوزير كان قد سجنهم في حصن وبذة على أيام المأمون وأدخلهم إلى البلاط. وبوصول ابن الحديدي إلى الباحة الرئيسية للقصر وجد نفسه وسط أعدائه وأدرك نوايا الملك الحقيقية تجاهه وعرف أن صديقه ابن المشاط قد خانه وخدعه. وقد أسلمه الملك إلى أعدائه مباشرة الذين قتلوه بحضرته. حدث هذا يوم الجمعة في السادس والعشرين من أغسطس سنة ألف وخمس وسبعون ميلادي. وما أن ذاع خبر مقتله حتى هاجم أعداؤه وعناصر الفوضى والاضطراب في المدينة دوره ودور أقاربه فنهبوها وقتلوا عشرين شخصاً من أنصاره ومؤيديه . وقد سجن ابنه سعيد قاضي طليطلة المعروف بعلمه وتقواه في سجن وبذة حيث ظل حتى وفاته في سنة ألف وتسعة وسبعين ميلادي.

كانت نتائج هذه الجريمة خطيرة ومدمرة بالنسبة لأمن وسلامة المملكة. فعلى الصعيد الداخلي أعادت انقسام سكان المملكة إلى حزبيتين متعاديتين على استعداد دائماً للوصول بالبلاد إلى الحرب الأهلية. ذلك إن مكانة ابن الحديدي كانت كبيرة جداً في أوساط العلماء والفئات المتدينة التي كانت ترى في وجوده في الحكم ضمانة لاستمرار الهدوء والسلام في البلاد. 

لقد ذهب مقتل ابن الحديدي بأفضل رجال السياسة في طليطلة وبأقدرهم على الدفاع عن سيادتها وأراضيها. كان خبيراً في التعامل مع الممالك الإسبانية المسيحية، عارفاً بأساليب مداراة الملوك الأندلسيين المعادين لطليطلة الطامعين بأقاليمها. غياب هذا الوزير المفاجئ أبقى حدود المملكة تحت رحمة ملك ضعيف جاهل وأرستوقراطية مهترئة غافلة عن مصالح عامة مسلمي إسبانيا آنذاك. والخلافات الداخلية التي ظهرت مباشرة بعد مقتل الوزير أعطت ابن هود صاحب سرغوسة وابن عباد سيد إشبيلية الفرصة المناسبة التي طالما انتظراها للتدخل في شؤون مملكة طليطلة واقتطاع بعض أقاليمها .

(من كتاب عمارة المساجد في الأندلس)

المراجع:

  • الآثار الأندلسية الباقية في اسبانيا والبرتغال – محمد عبدالله عنان
  • تاريخ المسلمين وآثارهم في الأندلس – الدكتور السيد عبدالعزيز سالم
  • عمارة المساجد في الأندلس – باسيليو بابون مالدونادو ، ترجمة: د. علي إبراهيم منوفي
  • الإسلام في طليطلة – د. عبدالمجيد نعنعي

*صورة المسجد من ويكبيديا

Leave a comment