الكتب في حياتي

الاسلام في طليطلة

احتلت مدينة طليطلة مكانة عظيمة ولها أهمية كبرى حتى قبل دخول الإسلام إليها، فقد كانت سابقاً مدينة الملوك وعاصمة القوط، فمنها كانت تدار شؤون شبه الجزيرة الايبيرية في فترة حكم القوط

تقع مدينة طليطلة على بعد 75 كيلو متراً جنوب العاصمة الاسبانية مدريد، وقد كانت عاصمة القوط لمدة قرنين من الزمان، كان ذلك قبل فتح الأندلس، وقد اتخذها القوط عاصمة لهم لأنها مدينة حصينة، يحيط بها نهر تاجه من ٣ جهات، ومتصلة باليابسة من جهة الشمال. والقوط أمة عسكرية حكمت شبه الجزيرة الايبيرية ولم تعرف الهزيمة طيلة قرنين إلا على يد المسلمين

ورغم حصانة هذه المدينة وموقعها الجغرافي المميز، إلا أن المسلمين لم يتخذوها عاصمة لهم، فيذكر الدكتور السيد عبدالعزيز سالم في كتابه قرطبة حاضرة الخلافة في الأندلس سبب ذلك فيقول: “قبل أن يعود موسى بن نصير إلى المشرق استخلف ابنه عبدالعزيز في ذي الحجة سنة 95 هـ ، واختار له مدينة اشبيلية قاعدة لولايته ويعبر هذا الاختبار عن بعد نظر موسى بن نصير، فقد استبعد مدينة طليطلة العاصمة القديمة للقوط لانها بموقعها في وسط الاندلس تكون أكثر تعرضاً للثورات، وقد يصل الأمر إلى قطع الاتصال بينها وبين المغرب لتطرفها عن الساحل الجنوبي، فيسبب ذلك كارثة كبرى للمسلمين.”[2]

وقد عادت طليطلة عاصمة لإسبانيا بعد سقوط الأندلس وحتى عام 1561م أصبحت حينها مدينة مدريد عاصمة لإسبانيا بأمر من الملك فيليب الثالث.

تمتاز مدينة طليطلة بجمالها الآسر وطبيعتها الخلابة، فقد تغنى فيها الشعراء والأدباء وقال فيها الشاعر الأندلسي:

زادت طليطلة على ما حدثوا .. بلدٌ عليه نضارة ونعيمُ

الله زينه فوشح خصره .. نهر المجرة والقصور نجومُ

.هذا المقال سيكون مراجعة لكتاب قراءته عنوانه: الإسلام في طليطلة للدكتور عبدالمجيد نعنعي 

وهو كتاب استفدت منه كثيراً فهو يتحدث عن تاريخ طليطلة بشكل مفصل منذ أن رفع في سمائها طارق بن زياد لواء الإسلام، إلى أن أنزله من علياها ألفونسو السادس في سنة 1085م.

ويعطينا الكاتب لمحة تاريخية عن حال طليطلة قبل الإسلام، فيخبرنا قائلاً: مدينة طليطلة، قديمة، عريقة، جذورها تضرب بعيداً عن عمق تاريخ شبه الجزيرة الايبيرية حتى أن بعض من أرخوا لها من المسلمين ما ترددوا في أن يصفوها بأنها (أزلية من بناء العمالقة)[3]. ليس من السهل والميسور تحديد زمن بنائها على وجه دقيق وحاسم. فهي في رواية تدين بوجودها إلى رحالة فينيقيين ربما أقاموها، في وقت غير معروف تماماً، لتكون محطة على طرق تجارتهم الدولية. وفي أخرى أن اليونان أسسوها لتكون واحدة من القواعد التجارية المتعددة التي بنوها في غرب أوروبا. ولما اجتاحت جيوش الإمبراطورية الرومانية أراضي شبه جزيرة ايبريا في نهاية القرن الثاني قبل الميلاد دخلت طليطلة في تبعية هذه الإمبراطورية وصارت واحدة من حواضرها الهامة منذ سنة 192 ق م على وجه التحديد.

إلا أن الرومان لم يحاولوا توحيد شبه الجزيرة الايبيرية، وإنما قسموها إلى مستعمرات متعددة، ليس بينها روابط جدية وفعالة ومباشرة، يديرون أمور كل واحدة منها بواسطة موظفين تعينهم سلطات روما. 

ولم تتوحد شبه الجزيرة الايبيرية الا في عهد القوط الغريبيين الذين حكموها بعد سقوط الإمبراطورية الرومانية في سنة ٦٧٤ م، فقاموا بتوحيد هذه مناطق شبه الجزيرة واتخذوا من طليطلة عاصمة لهم، وتربعوا على عرشها لمدة قرنين حتى فتح الأندلس القائد البطل طارق بن زياد وهزمهم في معركة وادي لكة فاستسلمت له طليطلة ومكث فيها ينتظر وصول موسى بن نصير ليكملا فتح بقية الأندلس معاً.

كانت طليطلة بعد الفتح الإسلامي مصدر ازعاج لحكومة قرطبة، فقد كانت مدينة متمردة كثرت فيها الثورات، والغريب أنه رغم اسلام أهلها واقبالهم الطوعي على الدين وتجذر قيمه ومبادئه في عقولهم كما في ضمائرهم إلا أن ذلك لم يخفف كثيراً من عدائهم ورفضهم لسلطات الحكام المسلمين، فقد قاموا بمقاومة سلطات قرطبة ورجالها وحكامها، مع تمسك متزايد وولاء لا حدود له لدين الإسلام ولشريعته.

:طليطلة في ظل الأمويين

:ولقد قامت في طليطلة ثورات عدة، سأذكر منها اثنتين

بعد أن سقطت الدولة الأموية في دمشق، قُتل العديد من بني أمية على يد العباسيين، ففر من سيوفهم شاب من بني أمية طموح مغامر، فر إلى المغرب وأخذ يخطط على إعادة أمجاد بني أمية، فاختار الأندلس مقراً لحكمه وأقام فيها الدولة الأموية في الأندلس، هذا الشاب الذي استولى على الأندلس وهو في الخامسة والعشرين من عمره وأسس دولته فيها وقضى على الثورات والتمرد ووحد الدولة فأصبحت كلها خاضعة له، هو صقر قريش، عبدالرحمن بن معاوية، المعروف بعبدالرحمن الداخل.

أعاد عبدالرحمن الداخل أمجاد بني أمية، فأنشد قائلاً:

سعدي وحزمي والمهند والقنا .. ومقادر بلغت وحال حائلُ 

ان الملوك مع الزمان كواكبٌ .. نجم يطالعنا ونجم آفلُ 

والحزم كل الحزم ألا يغفلوا .. أيروم تدبير البرية غافلُ ؟!

ويقول قوم سعده لا عقله .. خير السعادة ماحماها العاقلُ

أبني امية قد جبرنا صدعكم .. بالغرب رغما والسعود قبائلُ

أدركت طليطلة منذ البداية الأبعاد الحقيقية لقيام الإمارة الأموية في الأندلس وفهمت أنها لا بد أن تسعى لأن تكون قوية وفاعلة ونافذة ومركزية السلطان كما كانت الخلافة الأموية في دمشق. كانت تعرف أن عبد الرحمن سيقضي، أو على الأقل سيحاول القضاء، على كل بؤر التمرد ومراكز القوى شبه المستقلة التي ازدهرت كثيراً في فترة الفتنة التي عمت الأندلس في السنوات الأخيرة من عصر الولاة ليقيم على أنقاضها دولة الإسلام الواحدة الموحدة. ومن هذا المنطلق والى الطليطليون حاكمهم هشام بن عزرة الفهري قريب وحليف يوسف الفهري آخر ولاة الأندلس الذي هزمه عبد الرحمن الأول وقضى على نفوذه وحكمه. ليس هذا فقط بل قدموا للفهريين عموماً ولسائر أتباع الوالي السابق الملجأ والمأوى وكل الدعم المالي والعسكري في مواجهتهم السلطان قرطبة. وحين هرب يوسف الفهري من داره في قرطبة، بعد أن كان قد صالح الأمير الأموي واعترف بدولته، ثائراً متمرداً وساعياً في القضاء على الإمارة الأموية الفتية كانت طليطلة وأحوازها بمن فيها من عرب يمنية وبربر وإسبان مسلمين أو نصارى على استعداد تام لحمل لوائه وتبني ثورته والقتال تحت زعامته. وقد جمع يوسف الفهري جيشاً ضم عشرين ألف جندي جلهم من البربر واليمنيين قاتل به جيوش الأمير الأموي فهزم في أكثر من موقعة حل بعدها في منطقة طليطلة. وقد ظل هناك بدعم من الطليطليين يتجول في المنطقة ويثير الاضطراب والفتن بوجه السلطات الشرعية إلى أن أقدم بعض أنصاره على اغتياله في سنة 759م (142 هـ). وما لبث ابنه أبو الأسود بعد ذلك أن فر من سجن وضعه فيه عبد الرحمن الداخل وقصد طليطلة حيث رفع فيها وبحماية أهلها وحاكمها هشام الفهري لواء الثورة على قرطبة. ولم يتهاون الأمير عبد الرحمن في مواجهة الثائر الجديد فندب أحد أقرب أعوانه إليه تمام بن علقمة على رأس جيش كبير حاصر طليطلة حتى استسلمت وقبض على الثائر فيها وأرسله إلى قرطبة. وبذلك قضني مؤقتاً على تحركات الفهريين في طليطلة وتسلم تمام حاكمية المدينة إنما دون أن يعني ذلك استكانة أهلها. بقيت طليطلة بعد ذلك على معارضتها لسلطان قرطبة وظلت عواطف أهلها مع الفهريين وزعيمهم هشام أشد أعداء الحكم الأموي آنذاك. ولما تبنى هشام الفهري بعد ذلك دعوى العباسيين في السيادة على كل بلدان العالم الإسلامي بما في ذلك الأندلس ورفع لواءهم الأسود كانت طليطلة السباقة لتأييده ودعمه فاستضافت حركته وتحولت إلى قاعدة لتمرده على سلطان قرطبة. قويت هذه الثورة كثيراً واشتد خطرها وطال أمدها مما جعل الأمير يخرج بنفسه على رأس جيوشه لمحاصرة المدينة والقضاء على الثائرين أكثر من مرة دون نجاح. ولم ينجح في القضاء على حركة هشام الفهري الموالية للعباسيين إلا في سنة ٧٦٤ م (١٤٧ هـ) حين تمكن بدر مولاه والحاجب تمام بن علقمة من محاصرة المدينة بشدة جعلت الجوع يعض أهلها فيسلمون رؤوس الثورة ، ومنها رأس هشام الفهري للسلطة الشرعية مقابل الأمان. 

وعاد عبد الرحمن الداخل، لضمان استمرار الطليطليين على الولاء والاستكانة فعين عليهم مجدداً تمام بن علقمة بعد أن كان قد قطع ولايته الأولى عليها ليعينه حاجباً له .

ولكن هل استكانت فعلاً طليطلة وهل أسلمت قيادها للوالي تمام بن علقمة الشديد الولاء للأمير الأموي والعامل بصدق على تنفيذ سياسته القاضية بالقضاء على كل مراكز التمرد والاستقلال ؟ الواقع إن جذور التمرد والثورة على سلطات العاصمة عند الطليطليين كانت راسخة وعميقة بحيث استحال على هزيمة أو أكثر تحل بهم انتزاع هذه الجذور من عقولهم وضمائرهم وبقي الاعتراف بسيادة قرطبة وهيمنتها عليهم بعيداً جداً عن عواطفهم وقناعاتهم . وحين ثار على عبد الرحمن أحد قادة جيشه المعروف بالسلمي بعد ذلك آوته طليطلة وقوته ودعمته بوجه الأمير إلى أن ندب له سيد قرطبة جيشاً بقيادة حبيب بن عبد الملك قضى على حركته وقتله . عادت طليطلة بعد ذلك بسنوات لتستقبل متمرداً آخر هو أبو الأسود الفهري، الذي سبق له أن تمرد في طليطلة وهزم وسجن في قرطبة سنين عديدة قبل أن يستعيد حريته رحمة وشفقة من الأمير لإصابته بالعمى . فر هذا من سجنه في سنة 784م ( 168 هـ ) ولحق بطليطلة ليرفع فيها مجدداً لواء الثورة على قرطبة جمع جيشاً كبيراً حارب به جيوش الشرعية بقيادة عبد الرحمن نفسه التي هزمته أكثر من مرة وجردته من معظم قواته إلى أن توفي في سنة 758م (170 هـ) في إحدى قرى طليطلة . بعدها حمل شقيقه أبو القاسم لواء الثورة والتمرد فسار إليه عبد الرحمن بنفسه فأخضعه وأسره وفرض على طليطلة الاستكانة والخضوع. ولكن هذه الاستكانة ما كانت إلا قصيرة ومؤقتة إذ ما لبث الأمير أن توفي بعد أشهر قليلة عادت بعدها المدينة لترفع لواء الفرقة والعصيان .

طليطلة وهشام الرضا:

عندما وافت الأمير عبد الرحمن الداخل المنيه ما كان بعد قد حسم مسألة خلافته بين اثنين من أكبر أولاده الأحد عشر: سليمان وهشام. ولا كان قد وضع نظاماً ثابتاً لولاية العهد في الإمارة الأموية، وعلى هذا صارت الإمارة بعد وفاته ، بناء لوصية شديدة الغموض أفضى بها لولده الثالث عبدالله المعروف بالبلنسي، إلى ابنه هشام الأول المعروف بالرضاء . لم يقبل سليمان كبير أولاد الأمير عبد الرحمن بما حدث ورفض الاعتراف بإمارة أخيه وذهب إلى طليطلة. وفي عاصمة القوط القديمة أعلن سليمان نفسه أمير كل الأندلس ولم يجد كبير صعوبة في الحصول على مبايعة الطليطليين وعلى دعمهم ومساعدتهم له وهو يعمل على جمع الأنصار والمؤيدين في جيش يزحف به على قرطبة . وما لبث شقيقه عبدالله البلنسي أن خرج على سلطان الحكومة المركزية وانضم إليه فى ثورته وعصيانه . وفى سنة 789م (173 هـ) كانت قد اكتملت استعداداته وتجمع حوله حشد عظيم من المقاتلة بينهم العديد من الطليطليين. ولم يكن هشام على حداثة عهده في الحكم بغافل عما يعده أخواه فبادر في الوقت المناسب بجيوشه وألقى حصاراً شديداً على طليطلة دام حوالي الشهرين والمدينة مستمرة في عصيانها. وقد انتهت المواجهة بين الأشقاء الثلاثة بتسوية غادر على أثرها الأخوان بلاد الأندلس إلى المغرب يعيشان فيه في حماية قبائل البربر هناك.

طليطلة وعبدالرحمن الناصر:

ولم تستقر أحوال طليطلة إلا في عهد الخليفة عبدالرحمن الناصر، فلما قضى عبدالرحمن الناصر على كل أعمال التمرد والعصيان التي سادت الأندلس أيام الأمراء محمد والمنذر وعبدالله، وفرض سيادة الدولة على كل أرجاء الامارة، تطلع نحو طليطلة، آخر حصون التمرد والثورة على سلطته، فقرر اخضاعها نهائياً ليجعل من نفسه وبحق سيد البلاد غير المنازع. وقبل أن يلجأ إلى القوة والعنف سعى إلى مخرج سلمي، فندب بعثة من علماء وفقهاء ومحدثي قرطبة إلى الطليطليين لدعوتهم إلى تقدم الولاء والخضوع لأمير البلاد. 

إلا أن هؤلاء واعتماداً على حصانة مدينتهم وقوة أبراجها وحصونها، رفضوا الخضوع لسلطان الدولة. ولما لم يترك هؤلاء للأمير خيار السلام، أرسل حملة عسكرية لاخضاع المدينة التي طال تمردها، ثم خرج بنفسه إلى المدينة لقيادة الحملة على رأس جيش كبير وحقق أول انتصار على المتمردين باستلائه على حصن مورة التابع لهم. وبعد أيام قليلة استولى على محلة حرنكش ذات الموقع الاستراتيجي الممتاز مما سمح له بالاشراف على سهلة طليطلة ونهرها وأجنتها وكرومها واختيار أمكن المواضع من محاصرتها.

ولما كان الطليطليون قد ألفوا حياة المقاومة واعتادوا الصمود للحصار والحرب فقد قاوموا بشراسة وعناد مما جعل الأمير بعد واحد وسبعين يوماً يأخذ طريق العودة إلى قرطبة تاركاً قادة الجيش يوالون حصار المدينة.

وأخيراً، جنح الطليطليون إلى المهادنة، بعد أن استنفذوا قدراتهم العسكرية واستهلكوا ما أعدوه من الأطعمة والأغذية وسئموا العيش داخل أسوارهم في عزلة تامة عن العالم الخارجي، فأرسلوا وفداً لعبدالرحمن الناصر يعرضون عليه رغبتهم في الخضوع وتقديم الولاء.

قَبِلَ منهم الناصر وأعطى أهل طليطلة الأمان وفك الحصار عنهم ثم حضر إليهم بنفسه ودخل المدينة ظافراً وجال في أنحائها وتعرف إلى مواقع القوة فيها. أقام الناصر في طليطلة الوقت اللازم بحيث أعاد تنظيم إدارتها وزودها بحامية عسكرية قادرة على إبقاء أهلها خاضعين للسلطة وموالين لأمير البلاد. وقبل أن يغادرها إلى قرطبة عمل على وضع حاميات عسكرية في مواقعها الهامة كما في كل المنطقة المحيطة بها.

سقطت الخلافة الأموية في سنة ١٠٣١م ولكن سقوطها لم يذهب بما كان في قلوب المسلمين في اسبانيا من حب وولاء للبيت الأموي. ذلك أنه ما كان سهلاً اقناعهم بنسيان الوحدة الوطنية المفقودة ولا بالتخلي عن ذكريات أيام الخليفة الناصر بما كان فيها من أمجاد وبريق باهر.

بنو ذي النون:

وبعد سقوط الخلافة الأموية في الأندلس حكمت أسرة بني ذي النون طليطلة وكان إسماعيل بن ذي النون أول من ملك مدينة طليطلة وهو الذي أقام فيها في زمن الطوائف مملكة كانت أقوى وأشهر وأعظم ممالك الأندلس في هذا العصر.

ثم خلفه ابنه المأمون، ويذكر لنا الكاتب بشكل مفصل غزوات المأمون وحروبه مع ملوك الطوائف، وحربه على قرطبة.

وكان آخر حكام طليطلة من بني ذي النون يحيى القادر، الذي سقطت طليطلة في عهده.

رزقت ملكاً فلم أحسن سياسته .. وكل من لا يسوس الملك يخلعه

ومن غدا لابساً ثوب النعيم بلا .. شكر عليه فإن الله ينزعه

يلف الغموض وإلى حد كبير تاريخ أسرة بني ذي النون في إسبانيا للمرحلة السابقة للنصف الثاني من القرن التاسع للميلاد. فالمصادر العربية لا تمدنا بالكثير من أخبار هذه في إفريقيا، ولا تعرفنا بموعد نزولها في شبه الجزيرة الإيبرية.

من الأخبار القليلة التي وصلتنا عن أصل هذه العائلة نفترض انتماءها إلى أحد بطون قبيلة هوارة البربرية.

وتجدر الإشارة هنا إلى أن هذه العائلة كانت تسمى حين كانت في شمال إفريقيا باسم «زنون» وإنها بعد نزول بعض أبنائها في شبه الجزيرة الإيبرية ومع بداية التحول نحو الإسلام وأيضاً مع نمو حركة الاستعراب صارت تسمى ب «ذي النون تشبهاً بالاسم الوارد في القرآن الكريم.

أعلام طليطلة:

برز في طليطلة عدد كبير من الأعلام، وتميزوا في مجالات شتى، فمنهم العلماء والأدباء والمؤرخين والشعراء والأئمة والفقهاء. ومن أعلام طليطلة:

صاعد الطليطلي:

كان صاعد بن أحمد بن عبد الرحمن ابناً لعائلة قرطبية نبيلة ذات أصل عربي تواجدت في الأندلس مع طوالع الفتوحات الإسلامية الأولى. كان والده احمد عالماً وفقيهاً مشهوراً شغل حتى وفاته سنة ٦٥٠١م منصب القضاء في طليطلة. وكان جده قبل ذلك قد تميز بعلمه وفضله وشغل مناصب هامة في إسبانيا الإسلامية .

ولد صاعد في مدينة المرية في سنة 1029 م حيث صرف سنوات عمره الأولى وتلقى بعض مبادىء العلوم والفقه . انتقل بعد ذلك إلى مدينة شاطبة، على الأرجح، حيث أقام بعض الوقت يحضر دروس الفقه والتاريخ على عالم الأندلس الكبير ابن حزم وعندما بلغ الثامنة عشرة من عمره انتقل إلى طليطلة لدراسة العلوم البحتة . وهناك تعرف إلى العالم الطليطلي الشهير الوقشي الذي بدأ يدرس على يديه الرياضيات والفلك والطب وعلاقات صاعد بهذا العالم الكبير هي التي فتحت أمامه أبواب القصر الملكي حيث بدأ يلقى الرعاية المادية والمعنوية. وتاثير العالمين الكبيرين ابن حزم أولاً والوقشي ثانياً بدأ يكرس وقته وجهده للعلوم والتاريخ. وشهرته التي حصل عليها بعد وقت قصير من حلوله في طليطلة كعالم كبير جعلت المامون يعطيه وظيفة القضاء التي ظل يمارسها حتى نهاية حياته. إلا أن وظيفة القضاء الهامة والكبيرة ما شغلته أبداً عن متابعة أبحاثه ودراساته العلمية .

وفي سنوات حياته الأخيرة وضع كتابه طبقات الأمم الذي أعطاء شهرته كمؤرخ عظيم وربما أيضاً ميزته كأول من حاول أن يؤرخ للعلوم بمعزل عن التاريخ العام وكتاب طبقات الأمم هذا يبحث في أصناف البشر كالفرس والكلدان والأقباط واليونان والرومان والعرب والعبرانيين الذين يعتبرهم مؤهلين للعلم والبحث العلمي ويورد بعض الأخبار عن منجزاتهم في هذا المجال. ويؤكد أن باقي شعوب عالم عصره ما اهتمت بأي شكل من الأشكال بالدراسات العلمية. وقد اهتم بصورة خاصة بالتاريخ الحياة ومنجزات من اعتبرهم أشهر رجال العلم من العرب واليونان واليهود .

ويمكن بصورة عامة اعتبار كتاب طبقات الأمم أهم مصنف في تاريخ العلوم وضعه العرب في العصور الوسطى. ويؤكد ذلك كون مشاهير المؤرحين من أمثال ابن أبي أصيبعة السوري والقفطي المصري والمؤرخ النصراني ابن العبري قد اعتمدوا أخباره في مصفاتهم . ويذكر حاجي خليفة أنه وضع كتاباً في تاريخ الطب إلا أننا لا نعرف شيئاً عنه في الوقت الحاضر وليس له اثر في المصنفات العلمية التي بين أيدينا الآن. ويشير هو في كتابه طبقات الأمم إلى كتاب وضعه حول تاريخ العلوم في الهند وفارس غير أنا لم نعثر له على اثر حتى الآن. 

ولصاعد الطليطلي في مجال التاريخ العام مصنف في تاريخ الإسلام وأخر في تاريخ إسبانيا الإسلامية أشار اليهما الغزيري في فهرسه المخصص للمخطوطات العربية الموجودة في مكتبة الأسكوريال، غير أنه ليس أمامنا أية إشارة أخرى، غير ما ذكره الغزيري، حول وجود هذين الكتابين . وإلى جانب منجزاته كمؤرخ فإنه برع في طليطلة كرياضي وفلكي. وكان طيلة حياته على اتصال دائم بسائر علماء بلده و أقام معهم ما يشبه المدرسة أو الحلقة العلمية، وقد وضع انطلاقاً من أبحاثه الخاصة وتجاربه كتاباً حول تحركات النجوم.

تفرع منذ سنة 1067 م، وربما قبل ذلك بقليل للتدريس، إنما دون أن يترك مهمة القضاء. وكان يتحلق حوله في دروسه ومحاضراته طلاب يسعون للتخصص في الأبحاث العلمية، وربما أمكننا أن نطلق على هذا الفريق اسم مدرسة طليطلة أو على الأصح مدرسة صاعد. 

وفي سنة 1070م توفي في طليطلة القاضي صاعد الذي طالما اعتبر أحد أبرز وجوه إنسانيا الإسلامية العلمية.

ابن خميس:

احمد بن خميس بن عامر ولد في قلعة أيوب، في تاريخ مجهول حتى الآن. انتقل منها بعد ذلك إلى طليطلة للدراسة. التحق بمدرسة صاعد الطليطلي ومال بصورة واضحة إلى علوم الفلك والهندسة والطب فأخذ الكثير منها عن أساتذة المدرسة. وقد درس كتب مشاهير علم الطب عند اليونان وبصورة خاصة مصنفات جالينوس. وتميز بين علماء طليطلة ببراعته في العلوم الطبية وبمقدرته كطبيب ممارس إنما دون أن يكون في ذلك مهملاً للعلوم الأخرى التي حقق فيها تجارب ومنجزات هامة . وقد تفرغ في سنوات حياته الأخيرة لتدريس الطب والفلك . توفي في مدينة طليطلة سنة 1062م .

التميمي:

نكاد لا نعرف شيئاً عن الحياة الخاصة لهذا الرجل وعن نشاطاته . المعروف هو أنه كان في طليطلة على أيام المأمون ابن ذي النون وفيها برع كطبيب. وقد تميز بصورة خاصة بين أقرانه بقدرته الفائقة في تشخيص الأمراض وأساليبه المبتكرة في مداواتها. ومما زاد في شهرته ومكانته العالية طريقته العملية والتجريبية في تعليم الطب . ومن بديع الصدف أن كتابه الأشهر في علم الأمراض وأساليب تشخيصها قد حفظ لنا وهو موجود اليوم في مكتبة الاسكوريال

التجيبي:

إبراهيم بن لب بن إدريس التجيبي ولد في مدينة قلعة أيوب حوالي السنة 1018 م. وفي وقت غير معروف انتقل إلى مدينة طليطلة لدراسة الفقه والآداب . وما لبث أن تفوق بين زملائه بمعارفه في اللغة العربية وآدابها وشعرها وايضاً في العلوم الفلسفية . وقد كرس قسماً كبيراً من حياته وجهده للتدريس في مسجد قرطبة . ومع الوقت بدأ يهتم بصورة متزايدة بالعلوم البحتة وبصورة خاصة بعلمي الفلك والهندسة، وقد ساعده صديقه العالم الوقشي في دراسة وفهم المبادىء الأساسية لعلم الهندسة. وفي النهاية شغله اهتمامه بعلم الهندسة بصورة كاملة وانقطع عن تدريس العلوم الشرعية وعلوم اللغة العربية ليتفرغ حتى نهاية حياته لتعليم الرياضيات. ومع الأسف فإنه لم يصلنا شيء من مصنفاته ونظرياته. وتوفي التجيبي في طليطلة في سنة 1062 م .

سقوط طليطلة:

هرب يحيى ذي النون وترك أهل طليطلة يواجهون مصيرهم، يقول ابن بسام واصفاً خروجه من طليطلة: “وخرج ابن ذي النون خائبا مما تمناه، شرقا بعقبى ما جناه، والأرض تضج من مقامه، وتستأذن في انتقامه، والسماء تود لو لم تطلع نجما إلا كدرته عليه حتفا مبيدا، ولم تنشئ عارضا إلا مطرته عذابا فيه شديدا. واستقر بمحلة أذفنوش مخفور الذمة، مزال الحرمة، ليس دونه باب، ولا دون حرمه سِتر ولا حجاب. حدّثني من رآه يومئذ بتلك الحال وبيده اصطرلاب يرصد فيه أي وقت يرحل، وعلى أي شيء يعول، وأي سبيل يتمثّل، وقد أطاف به النصارى والمسلمون، أولئك يضحكون من فعله، وهؤلاء يتعجبون من جهله”

حاصر الملك الفونسو السادس طليطلة حصاراً شديداً، وكعادة أهل طليطلة لم يستسلموا وقاوموا هذا الحصار، ولكن عندما اشتد الحصار، ونفدت مؤونتهم، واستنفذ صمودهم الطول امكاناتهم وقدراتهم وبعد أن فقدوا الأمل من الحصول على العون من أبناء دينهم مسلمي اسبانيا ما كان أمامهم سوى البحث عن طريق للاستسلام تحفظهم فيه كرامتهم وتحترم معتقداتهم وتصان أرواحهم وممتلكاتهم، فاشترطوا على ألفونسو السادس شروط عدة، وافق عليها كلها فاستسلمت له طليطلة، ولكنه ما لبث إلا أن نقض هذه العهود والمواثيق. كانت هذه الشروط:

١- لأهل طليطلة الأمان المطلق في أنفسهم وأموالهم وأهليهم وبنيهم.

٢- من أحب من أهل طليطلة الخروج منها لم يمنع منه، وإن رجع بعد رحيله نزل على ما كان بيده من عقار دون تعرض عليه لا في كثيره ولا في قليله.

٣- من أحب المقام لم يلزمه سوى إداء الجزية على عدد ما عنده من أشخاص.

٤- تجري على المسلمين في طليطلة أحكام شريعتهم ويحتفظون بقضاتهم ونظمهم وتقاليدهم.

٥- يحتفظون بالمسجد الجامع في طليطلة.

٦- يؤدي المسلمون المقيمون في طليطلة إلى ملك قشتالة من الضرائب ما كانوا يدفعونه لملوكهم.

كان أهل طليطلة قبل المسلمين يعيشون تحت حكم القوط، استبعد القوط قبيل الفتح الإسلامي، فكانت الفوضى منتشرة وكثير من الناس يعيشون في شقاء، وكانت سياسة الاستغلال منتشرة بين الطبقات الحاكمة والمترفة سبب في تردي الحياة وأدى ذلك إلى صراع بين الطبقات والتنافس على السلطة. فقد كان الشعب منقسم إلى طبقات منها : طبقة النبلاء وطبقة رجال الكنسية وطبقة التجار والزراع والملاك الصغار وطبقة عبيد الأرض وطبقة العبيد.

وعندما فتح طليطلة القائد البطل طارق بن زياد رحمه الله، تفرغ لتنظيم أمور المدينة وتدبير شؤون أهلها الذين كانوا قد عادوا للعيش فيها وأيضاً لوضع أسس دولة الإسلام فيها وحولها. عامل القائد المسلم أهل طليطلة برفق وتسامح، فاختار من بينهم أحد كبار رجال دينهم جعله حاكماً عليهم ومسؤولاً عن تدبير أمورهم وترك لهم كنائسهم وأديرتهم، وأعطاهم حرية تامة في عقائدهم وطقوسهم كما في الاستمرار على نظمهم وأعرافهم القديمة.

ولكن عندما سقطت طليطلة، حُرِمَ المسلمين من الرفق والتسامح، وحُوِلَتْ مساجدهم الى كنائس وأُقيمتْ محاكم التفتيش، وحُوِلَ المسجد الجامع الذي بناه طارق بن زياد إلى كنيسة، فهدم محاربه ورفعت الأجراس على مأذنته بحضور جمع كبير من مقدمي ووجهاء الأسبان النصارى. وكان آخر من تلى القرآن الكريم وأقام الصلاة في هذا المسجد هو العالم الفقيه الشيخ المغامي، وكان ذلك في شهر يوليو من العام 1085 م .

ملكنا فكان العفو منا سجية .. فلما ملكتم سال بالدم أبطحُ

وحللتم قتل الأسارى وطالما .. غدونا عن الأسرى نعفُ ونصفحُ

فحسبكمُ هذا التفاوت بيننا .. وكل إناء بالذي فيه ينضحُ

وبعد سقوط طليطلة، أنشد الفقيه الشاعر ابن العسال قائلاً:

يا أهل أندلس شدوا رواحلكم .. فما المقام بها إلا من الغلطِ

الثوب ينسلُ من أطرافه وأرى .. ثوب الجزيرة منسولاً من الوسطِ

من جاور الشر لا يأمن بوائقه .. كيف الحياةُ مع الحياتِ في سفطِ

مراجعتي للكتاب على اليوتيوب:


[2] قرطبة حاضرة الخلافة في الأندلس – الدكتور السيد عبدالعزيز سالم ص ٢٩

[3] الروض المعطار الحميري ص ١٣٠

الامام المغامي: ترجم له ابن البشكوال في كتاب الصلة فعرفه بأنه: محمد بن عيسى بن فرج التميمي المغامي، المقرئ من أهل طليطلة. وكان عالماً بالقراءات ووجوهها، ضابطاً لها، مثقفاً لمعانيها، اماماً ذا دين وفضل.

Leave a comment